حزنٌ ما

بدأ الأمر حين قررت أنيسة السفر إلى سورابايا بعد أن قضت أربع سنوات عجاف في بيتنا الكائن في هذه الصحراء القاحلة، لم ترغب بالمغادرة أبدًا، كانت ترغب في العمل اثنا عشر شهرًا بالسنة ليتسنى لها جمع المال اللازم لتأسيس حياتها من جديد، فقصتها التي تشكك أمي في مصداقيتها وكما روتها لنا أنها عملت في الكويت احدى عشرة سنة وجمعت مبلغًا لا بأس به واشترت منزلًا وملأته بالأثاث الجميل وابتسمت لها الحياة أخيرًا، إلا أنه وفي أحد الأيام وحين عودتها من أحد الزيارات صُدمت بتلك المرأة الغريبة الموجودة في بيتها، ليفسر لها أخيرًا زوجها بأنها عشيقته ووقام بتطليقها وطردها من بيتها الذي لغباء منها سجلته باسم زوجها الحبيب، وهكذا سرق زوجها بيتها أمام أعين القانون، وكشرت لها الحياة من جديد.

بالنسبة لي كان سفرها مرحبًا به وفرحت لها كثيرًا، رغم أنني كنت أشكك بمقدرتي على تحمّل غيابها عن المنزل، وبعد نقاش بينها وبين أمي قررن أن يكون سفرها بالعطلة الصيفية، قرابة الثلاث شهور من بينها رمضان، وبدأت تجهيزات سفرها، كانت تنوي عند وصولها إقامة حفل زفاف لابنها الذي تزوج دون حفلة لعدم تواجد والدته، في البداية فكرت أنه من الأفضل أن تقوم بالإعداد للحفل بنفسها وقد قررت شراء كل شيء من الرياض، إلا أنها بعد أن قامت بحساب التكاليف وجدت أنه من الأفضل أن تتعاقد مع أحد المطاعم هناك، على أية حال تسوقت كثيرًا قبل سفرها، لكني كنت معجبة بحكمتها في الإنفاق، فلم تكن كبقية الخادمات الاتي ينفقن كل أموالهن في التسوق وشراء أشياء لسن بحاجة إليها.

سافرت، بكت كثيرًا حين ودعتنا وضمّتنا بكل ما أوتيت من قوة، حتى أن عظامي آلمتني من قوّتها. في اليوم الأول بعد رحيلها قامت أمي بكل شيء وأنا بقيت خلف شاشة لابتوبي طوال النهار، في اليوم التالي كان لابد من فعل شيء ما، لا أدري كيف يمكنني أن أصف لكم مدى صعوبة ذلك علي ! كفتاة كسولة بالكاد تتنفس من شدة كسلها، تقضي ليلها ونهارها خلف شاشة اللابتوب أو تقلب الجوّال، أو تقرأ كتابًا بين حين وآخر. كم كان صعبًا على فتاة بهذا الكسل الجليدي “التي كانت بالكاد تهتم بشؤونها الخاصة وبغرفتها” أن تقوم لتمسح الرخام أو “تسبّع” المواعين، أو تغسل ثياب إخوتها وتكوي أشمغتهم !

الحقيقة أن لدي أختين، أحدهما تكبرني والأخرى أصغر مني، لا أنكر أن لهما فضل كبير فهما أنشط مني على أية حال، كنا بشكل عام نحاول أن نعفي أمي من كل المهام، ولم ندعها تقم بشيء بعد اليوم الأول، فقط الإشراف العام وإعطاء التعليمات التي لا داعي لها غالبًا، جاء رمضان وتدبرنا أمورنا على أن نطبخ معًا، وأما غسيل المواعين فكل يوم دور واحدة منا، وأما بقية البيت فكنا نتعاون عليه بشكل غير عادل، انتهى رمضان، بصعوبة.

بعد رمضان واصلنا على نفس المنوال، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي قررت فيه خالتي السفر وأرسلت لنا خادمتها، اسمها حليمة، أثيوبية من نفس عمري تقريبًا، تتكلم العربية بطلاقة وتفهم لهجتنا جيدًا، خالتي من ذلك النوع من النساء الاتي لن تكون محسودًا لو وقعت بين أيديهن، امرأة قاسية إلى حد بعيد، لطالما انتقدناها جميعًا دون استثناء على قسوتها المفرطة مع خادماتها أو سائقيها، لكنها كانت ترد دائمًا بإيمانها الذي لا يتزعزع بأن “هذولا ما ينعطون وجه” “لو عطيتهم وجه بيتمردون” ورغم أن نظرتها على وجه من الصحة إلا أنها بالغت كثيرًا في القسوة، على عكس أمي التي تدللهن دلالًا فاق اهتمامها بنا.

قدوم حليمة أثّر علي كثيرًا وعلى نفسيتي المدمرة أساسًا، لم يكن قدومها مبهجًا على الإطلاق رغم أنها ستعيفني من معاناتي التي عانيتها شهرًا كاملًا بصبر نافذ، إلا أنني شعرت بالأسى كثيرًا وربما كان السبب أنها في نفس عمري، كنت أتساءل لِم عليها أن تعاني وهي ما زالت صغيرة ؟ كلانا في نفس العمر إلا أنني في نعيم مقارنة في حياتها ؟ وأكثر ما كان يؤلمني، أنها تعمل بنشاط عجيب وابتسامة لا تفارق محياها، تتحدث معي بحيوية وتضحك ! وأنا بكل هذا الكسل غارقة في كآبتي وأواجه صعوبة حقيقية على الابتسام لدرجة أني أأمر فمي على الابتسام فيستجيب بتكشيرة بشعة لا يطيق أحد رؤيتها، آلمني كثيرًا أنها لا تجيد الكتابة ولا القراءة، كنت أفكر بأنه ربما لو كانت تملك قدرًا ضئيلًا من المعرفة لما صارت إلى ما هي عليه الآن، مقارنة حالي بحالها زاد من حزني، لم أعد أطيق نفسي ولا أطيق رؤيتها، فبمجرد أن أراها بابتسامتها، تتجمع الدموع في عيني وبالكاد أسيطر عليها، وما يزيد عجبي أنها تبدي محبةً كبيرة لي، أجهل سببها ! أعني أنني حقًا سيئة إلى حد بعيد فلم قد تحبني ؟ ألا يجدر بها أن تحسدني ؟ تحسدني على ماذا ؟ كسلي ؟ حزني ؟ لابتوبي الأثير ؟ حسنًا ربما امتلاكي للابتوب أمر يبعث على الحسد، لكن كيف ستحسدني على شيء تجهله، تجهل ماهيته وما قدراته وما يفعل ؟ تجهل أنه يربطني بالعالم أجمع! بالطبع هي لن تحسدني على شيء كهذا !! إنه لمن المحبط ألا أمتلك شيئًا قد يدفعها لحسدي، أأحسدها أنا ؟ أوه كلا ! إنني أكسل من أن أحسد أحدًا على شيء ما، ثم إني لم أكن لأحسدها على شيء سوى حيويتها، إلا أنني شاكرة جدًا لكسلي الذي يجعلني أنام لأربع عشرة ساعة متواصلة ! إنه لأمر عظيم أن أفعل ذلك.

Advertisements

زمن

مر وقت طويل على تلك الأفكار والكلمات التي ترقد في ذلك الدفتر، تلك الدموع وذاك الألم الذي كان سبب انهمارها، تلك الأمنيات التي وضعتها بحرص مستعجل بقلبي، تلك الأسحار التي ارتديت فيها الفساتين لإستقبال الشمس والإشراق معها أو الغناء لها فوق سطح منزلنا! تلك الأمسيات التي جمعت فيها كسر الزجاج الملون؛ لأنها بدت كالمجوهرات في عيني الصغيرتين ! تلك الأيام التي كنت أتأمل فيها سقف فصلنا الصغير متمنيةً قلم رصاص طويل لأستطيع الكتابة عليه!

مر وقت طويل على ليالي الثمامة الباردة حين كنا نحملق في النجوم أينا يجد الدب الأكبر أولًا، تلك الأوقات التي كنا نأكل فيها الموز ونتسلق النخيل ناعتين بعضنا بالقردة !! تلك الأمسيات التي كنت أنتظرك فيها بعد كل صلاة عصر عند عتبة بابنا لنجلس ونتحدث عن كل شيء ! تلك الأيام التي كنت أبادلك فيها مجلة سنان بمجلة باسم، حين كنا نحل معًا الكلمات المتقاطعة، مر وقت طويل على آخر حديث لنا، رغم أنّا كنا قريبين جدًا من بعضنا إلا أننا بالكاد نعرف بعضنا الآن.

مر زمن طويل على أول لقاء جمعنا حين كنا بالكاد نطيق رؤية بعضنا، لكننا بطريقة ما حققنا معنى الصداقة، مر زمن طويل على جلوسنا طويلًا صامتتين بجانب بعضنا وعلى الأشعار التي كتبناها في دفتر الرياضيات حيث كانت مربعاته تروقنا كثيرًا ! مر زمن طويل على آخر مرة تشابكت فيها أيدينا حين كنا كأميرات ديزني نرفع فساتيننا كلما هممنا بصعود درجِ ما أو نزوله، كان زمنًا جميلًا ذاك الذي قضيته معكِ.

مر زمن طويل على الكثير من الأشياء التي أشعلت الحنين بقلبي وأطارت النوم عني الليلة!

 

 

فيديو

SAMSARA – 2011

هذا الفلم الوثائقي الصامت عظيم جدًا !!
تم تصويره في حوالي 25 دولة، مشاهد جمالها يُبكي ! بصحبة موسيقى رائعة !
قرابة الساعتين من التأمل الخالص :”)
اخترت لكم هذا المشهد من الحرم المكي، أتمنى لكم الاستمتاع !

هنا موقع الفلم

http://barakasamsara.com/

 

استياء

قال لي “بعض تغريداتك تغصب الواحد يسوي أنفولو” سألته أي تغريدات! لكنه لم يجب ألححت عليه فقال لا تهتمي ثم خاض في حديثٍ غيره، أعرف جيّدًا أن معظم تغريداتي لا معنى لها ولا يسع أي أحد فهمها فهي غالبًا كلمات تذمر وغضب ومشاعر مختلفة وكلماتٍ أكتبها لمجرد أن أكتب شيئًا كتلك الخربشات التي يخطها قلمي في إحدى محاضرات الدكتورة نهال المملة، لكنّي لا أتذكر أني شتمت أحدًا في تغريداتي أو كتبت كلامًا فاحشًا، أو كتبت أي شيء قد يزعج أحد متابعيّ ! لذا فقد صدمني قوله ولم أعد قادرة على التغريد، وأميل إلى الرغبة في التخلي عن تويتر، حقًا مالجدوى في أن يعرف أحد ما نفكر فيه ؟ مالجدوى من أن يشاركني أحد لحظاتي ؟

كثيرًا ما أشعر بالاستياء من هذا التويتر ! كثيرًا ما يشعرني بأن لا أحد يكترث لكلماتي وكم مرةً تساءلت كم من شخص قد قرأ هذه التغريدة أو تلك، وفي مراتٍ كثيرة يشعرني بالتفاهة والسخف كتغريداتي الخالية من أي معنى، وغالبًا ما تجاهلت هذه المشاعر وواصلت التغريد بشكل مستمر، بل إنني كلما رغبت في تقليل تغريداتي ازداد نهمي على التغريد !

ومما يصيبني بالارتباك والاستياء أيضًا هو امتداد التغريدات على الخط الزمني اللامنتهي، لا يسعك أن تستاء لحزن أحدهم في تغريدة ما حتى تجد آخر يطير فرحًا في تغريدة تعقبها بدقيقة وثالث يشتكي من أمر ما ورابع يضحك على جاهلٍ ما وخامسٌ يكتب متحمسًا عن خبر علمي جديد أو حتى قديم وسادسُ وسابع …إلى مالانهاية، هذا التناقض والتعاكس المجنون في المشاعر الإنسانية يصيبني بالجنون، فمن طبيعتنا كبشر التعاطف مع إخوتنا في الإنسانية، ويقاس هذا التعاطف بحسب قرب الإنسان منا أو بعده، لكن بكل الأحوال فنحن مفطورين على التعاطف مع الجميع! فأضطر غالبًا إلى تجاهل مشاعري وقتما أغرد “أنا لا أشعر بشيء، أنا لا شأن لي بأحد، أنا لا أكترث، فليحزن من يحزن وليفرح من يفرح فهذا شأنهم وليس شأني” هذا الأمر مزعج حقًا.

الحديث عن تويتر طويل ولا منتهي، لكني سأتوقف عند هذا الحد.